بقلم العنود العنزي


انطلاقا من رؤية تسعى إلى جعل الفرد مساحة واعية تسهم في تعزيز الوعي الإنساني وترتقي بالتفكير والتأمل ومن رسالة تدعو إلى مواجهة اختلال الوعي بمزيد من الإدراك أصبحت منصات التواصل الاجتماعي من أبرز مظاهر الواقع المعاصر بل إن أثرها انعكس بشكل مباشر على تشكيل أفكار الإنسان ونظرته إلى ذاته والعالم من حوله


في ظل الاندماج الكامل لوسائل التواصل الاجتماعي في تفاصيل الحياة اليومية وقع الكثيرون في فخ المقارنات المستمرة التي تحولت من سلوك عابر إلى نمط يومي متكرر يقيس فيه الفرد تفاصيل حياته بما يعرضه الآخرون من نجاحات أو مظاهر مثالية في لحظة قد تخفي وراءها واقعا مختلفا تماما وما يعرض للوصول إليه وفق معايير خارجية لا تمثل حقيقة الحياة


وتكمن خطورة هذه المقارنات في كونها غير قائمة على أسس عادلة إذ يتم الحكم على واقع الشخص من خلال مظاهر انتقائية ومقتطفات قصيرة من حياته بينما تخفى التحديات والصعوبات التي لا تظهر عادة للعلن فنرى شخصا يبدو ناجحا أو سعيدا أو مثاليا دون معرفة ما يمر به من ضغوط أو مشكلات أو ظروف خاصة


كما أن المقارنات المستمرة تؤثر بشكل مباشر على الصحة النفسية إذ تزرع شعورا دائما بالنقص وعدم الرضا وتدفع الفرد إلى التقليل من إنجازاته الشخصية مهما كانت حقيقية أو مهمة بسبب انشغاله الدائم بما يملكه الآخرون أو يظهرونه عبر منصات التواصل الاجتماعي


وتشير العديد من الدراسات النفسية إلى أن الإفراط في المقارنة بالآخرين يرتبط بارتفاع معدلات القلق والتوتر وضعف تقدير الذات خاصة لدى فئة الشباب الذين يتأثرون بصورة أكبر بالمحتوى الرقمي والصور المثالية المنتشرة عبر الإنترنت


ومن المهم أن يدرك الإنسان أن لكل فرد مساره الخاص وظروفه المختلفة وأن النجاح لا يقاس بمعايير موحدة فلكل شخص تجربة فريدة وتحديات خاصة به ولا يمكن مقارنة بداية شخص بنهاية شخص آخر أو مقارنة واقع حقيقي بصورة منشورة قد لا تعكس سوى جزء محدود من الحقيقة


وفي المقابل فإن بناء علاقة صحية مع الذات يبدأ من تقبل الإنسان لنفسه والتركيز على تطويرها وفق إمكاناته وقدراته بعيدا عن هوس المقارنة والسعي المستمر لإرضاء توقعات الآخرين فالقيمة الحقيقية للإنسان تكمن في وعيه بذاته وسعيه للنمو والتقدم وفق ما يناسبه هو لا وفق ما يفرضه العالم الرقمي من معايير وهمية


وفي النهاية تبقى المقارنات أحد أكثر السلوكيات التي تستنزف السلام النفسي للإنسان بينما يكون الطريق الأفضل هو تقدير النعم والامتنان للذات والسعي نحو التحسن التدريجي مع الإيمان بأن لكل إنسان رحلته الخاصة التي لا تشبه أحدا سواه