بقلم أسيل المغذوي



في السنوات الأخيرة، لم تعد الشاشات مجرد اختراع يسهّل الحياة، بل تحولت إلى عالم كامل يبتلع الوقت والانتباه والمشاعر أيضاً؛ فأينما اتجهنا نجد الوجوه منحنية نحو الهواتف، والصمت يسيطر على المجالس، والأطفال يكبرون بأعين معلّقة في الضوء الأزرق أكثر من تعلقها بالحياة من حولهم، وما كان يُنظر إليه يوماً كسلوك غريب أو مبالغ فيه، أصبح اليوم أمراً اعتيادياً تمارسه الأسرة بأكملها دون أن تتوقف كثيراً أمام نتائجه، وبين هذا الاعتياد الصامت، تتسلل أسئلة مقلقة: كيف تغيّر هذا الجيل ومتى استبدلت الألعاب والضحكات والعلاقات الحقيقية بعالم افتراضي لا ينتهي .

وهذا التحول لم يعد مجرد استخدام عابر للتقنية، بل تطور بهدوء إلى حالة من التعلق العميق بالهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، حتى بات الإنسان يعيش متصلاً طوال الوقت، لكنه غائب عن اللحظة ذاتها، نستيقظ على إشعاراتها، ونقضي يومنا بين تمريرة وأخرى، ثم نغلق أعيننا ليلاً على الضوء ذاته، وكأن هذه الأجهزة لم تعد أدوات نستخدمها، بل فضاءات نعيش داخلها.

ورغم حملات التوعية التي تقدمها المدارس والجامعات حول أهمية تنظيم الوقت وتقليل ساعات الاستخدام، إلا أن الواقع يكشف أن الهواتف أحكمت قبضتها على تفاصيل يومنا، مستفيدة من تصميم ذكي قائم على جذب الانتباه وإبقائه أطول مدة ممكنة؛ فالتطبيقات لم تُصمم فقط للتواصل، بل لتجعل المستخدم في حالة ترقب دائم؛ إشعارات متلاحقة، ومحتوى لا ينتهي، ومكافآت سريعة تمنح الدماغ شعوراً مؤقتاً بالمتعة، ثم تدفعه للمزيد.

ويشير الباحث جوناثان هايدت إلى أن التأثيرات النفسية السلبية للهواتف الذكية بدأت تتصاعد بوضوح منذ عام ٢٠١٢، مع التحول الكبير نحو الحياة الرقمية، مؤكداً أننا لا نواجه مجرد تطور تقني، بل تغيراً اجتماعياً ونفسياً يمس طريقة عيش الإنسان ووعيه بنفسه وبالعالم من حوله، وفي السياق نفسه، يرى الباحث تميم موبايد أن انتقال التكنولوجيا من الحواسيب الثابتة إلى الهواتف المحمولة جعلها أكثر التصاقاً بحياتنا اليومية، حتى أصبحت ترافق الإنسان في كل لحظة صمت أو فراغ أو انتظار.

ولعل أخطر ما في الأمر أن هذه المنصات لا تسرق الوقت فقط، بل تسرق الانتباه ذاته؛ ذلك المورد الخفي الذي أصبح الوقود الحقيقي لعصرنا الرقمي. فكل دقيقة نقضيها على الشاشة تتحول إلى بيانات وأرباح، بينما يتراجع حضورنا الحقيقي في الحياة شيئاً فشيئاً، وقد وصف الفيلسوف بيونغ تشول هان هذا الواقع بمجتمع الإرهاق، حيث يعيش الإنسان في حالة اتصال دائم تجعله مرهقاً ذهنياً ونفسياً، حتى وهو يظن أنه يستريح.

أما الأثر الأعمق، فيتجلى في علاقاتنا الإنسانية؛ فالمجالس التي كانت تمتلئ بالأحاديث والضحكات، أصبحت اليوم صامتة على نحو غريب؛ يجلس الجميع في المكان نفسه، لكن كل شخص غارق في عالمه الافتراضي الخاصءل لم يعد الانشغال بالهاتف وسط العائلة أو الأصدقاء سلوكاً مستهجناً، بل تحول إلى مشهد اعتيادي فقدنا معه دفء الحضور الحقيقي، حتى أصبح الإنسان يوثق اللحظة أكثر مما يعيشها، ويشاركها مع الآخرين أكثر مما يشعر بها.

فهل ما نعيشه اليوم تطور طبيعي فرضه العصر، أم أننا اعتدنا الغياب حتى لم نعد نلاحظ أننا نفقد وعينا بالحياة تدريجياً .