تزامناً مع قرب حلول اليوم العالمي للامتناع عن التدخين الذي يصادف الحادي والثلاثين من شهر مايو من كل عام، تبرز تساؤلات مجتمعية مهمة حول التحول الغريب الذي طرأ على ثقافتنا، حيث تحولت ظاهرة كان يُنظر إليها قديماً على أنها سلوك خاطئ" و " عادة سيئة" لتصبح اليوم شيئاً عادياً وطبيعياً" يمارسه الكثيرون في المجتمع ففي الوقت الذي تدعو فيه الحملات العالمية إلى التوعية بمخاطر التدخين وأضراره الصحية، نلاحظ أن المجتمع المحلي يشهد تغيراً في المفاهيم جعل هذه العادة المضرة تفقد "هالتها السلبية" تدريجياً، حتى أصبحت جزءاً من المشهد اليومي.
وكان التدخين في الماضي يعد أمراً غير مرغوباً فيه، حيث كان يحرص ممارسوه على إخفائه خجلاً أو خوفاً من النقد الاجتماعي، أما اليوم فقد تحول الوضع ليصبح في الأماكن العامة مشهداً متكرراً في الشوارع والحدائق والمجمعات، ولم يعد يثير الاستغراب كما كان سابقاً.
وتحول انتشار الشيشة والمعسلات من كونها عادة غير صحية ومكروهة، إلى نشاط ترفيهي "طبيعي" يمارسه الشباب والفتيات في المقاهي والمنازل، وكأنه وسيلة للتسلية لا ضرر منها.
وأنتشرت العديد من المنتجات الجديدة مثل السجائر الإلكترونية والفيب بسرعة كبيرة، وأصبحت جزءاً من الموضة" والمظهر اليومي للكثيرين قبل أن يدرك المجتمع خطورتها.
وتشير دراسة أجراها فريق مايو كلينك في العام 2025 أن السلوك السيء أصبح عادة يرجع إلى كثرة الممارس وغياب الرقابة الذاتية والمجتمعية، حيث أن تكرار رؤية السلوك الخاطئ يجعل العين تتعود عليه، ويتوقف الدماغ عن اعتباره "شاذاً" أو "خطأ"، حتى يتحول إلى قاعدة وواقع يتم التعامل معه ببرود وطبيعية، رغم ما يسببه من أمراض ومشاكل صحية واقتصادية.
وتشير إحصائيات وزارة الصحة السعودية إلى أن التدخين ما يزال من أبرز السلوكيات الصحية السلبية المنتشرة، خاصة بين فئة الشباب، في ظل تزايد استخدام السجائر الإلكترونية ومنتجات التبغ الحديثة، وهو ما يثير القلق بشأن مستقبل الصحة العامة إذا استمر التعامل مع هذه الظاهرة على أنها أمر طبيعي.
ويأتي اليوم العالمي للامتناع عن التدخين هذا العام ليعيد إلينا الأسئلة الحاسمة هل حقاً أن "كثرة الشيء تجعله صحيحاً"؟ وهل نسمح بأن تتحول العادات السيئة إلى ثقافة سائدة لمجرد أننا اعتدنا عليها؟
ويبقى الهدف هو استعادة الوعي، والتمييز بين ما هو "عادي" بالفعل، وما هو "خطأ" تعودنا على رؤيته فقط، من أجل مجتمع أكثر صحة وسلامة.