يأتي يوم التأسيس في الثاني والعشرين من فبراير من كل عام بوصفه مناسبة وطنية تستحضر العمق التاريخي للمملكة العربية السعودية، منذ تأسيس الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود رحمه الله عام 1727م، حيث تتجدد في هذا اليوم مشاعر الفخر والاعتزاز بالجذور الراسخة للدولة، ويُعاد استحضار إرث حضاري ممتد لثلاثة قرون.

وتتحول مدن المملكة وقراها إلى لوحات احتفالية نابضة بالحياة، وتتنوع فيها الفعاليات بين العروض الفنية والأزياء التراثية والفنون الشعبية والمعارض المقامة في الساحات العامة والحدائق في مشهد يعكس الهوية الوطنية ويجسد التراث السعودي وتنوعه.

ورغم مايحمله هذا اليوم من رمزية عالية إلا أن بعض الممارسات الفردية تظهر بصورة لا تنسجم مع القيم التي يجسدها، حيث لوحظت سلوكيات خارجة عن الإطار الحضاري تمثلت في مضايقة المارة أو العوائل في مواقع التجمعات وإطلاق عبارات وهتافات غير لائقة، وهو مايتنافى مع روح المناسبة التي تقوم على الأحترام والأعتزاز بالوطن.

كما برزت مظاهر تشويه للمنظر العام مثل العبث بالممتلكات العامة والكتابة على الجدران وترك المخلفات في الساحات والمتنزهات بعد انتهاء الفعاليات، مايعكس ضعفاً في الوعي البيئي والمسؤولية المجتمعية لدى بعض الأفراد.

وفي جانب آخر، تكررت ممارسات تتعلق بانتهاك الخصوصية من خلال تصوير الاخرين دون استئذان ونشر المقاطع عبر وسائل التواصل الاجتماعي وهو مايثير إشكالات قانونية وأخلاقية.

وفي هذا الإطار، أشارت المحامية عهد فهد في تصريح لصحيفة عكاظ إلى أن تصوير الأفراد دون موافقتهم ونشر تلك المقاطع يُعد انتهاكاً للخصوصية ويتطلب موافقتهم، وقد يندرج تحت الجرائم المعلوماتية التي تستوجب المساءلة القانونية، مؤكداً أهمية رفع الوعي بالنصوص النظامية المرتبطة بالفضاء الرقمي.

ومن زاوية اجتماعية، أوضح أستاذ علم الأجتماع الدكتور إبراهيم الجوير في تصريح لصحيفة عكاظ أن تكرار بعض السلوكيات السلبية في المناسبات الوطنية يعود إلى ضعف ثقافة الاحتفاء والفرح، مشيراً إلى أن هذه الممارسات تعكس خللاً في فهم معنى الاحتفال والانضباط المجتمعي.

كما لا تخلو هذه المناسبة من المخالفات المرورية، إذ تتحول بعض الشوارع إلى مواقع لاستعراض المركبات المزينة، وهو ما يؤدي إلى عرقلة السير وتعطيل مصالح المواطنين، إضافة إلى الضجيج الذي يصاحب هذه الممارسات، مما يشكل ضغطاً على الجهات الأمنية ويهدد السلامة العامة.

وفي استطلاع للرأي، عبر عدد من المواطنين عن استيائهم من هذه التصرفات، مؤكدين رفضهم لها إلا أن تكرارها سنوياً جعل البعض يعتقد أنها جزء من مظاهر الاحتفال، وهو ما يشكل خطراً في ترسيخ سلوكيات خاطئة لدى فئات من المجتمع بدلاً من ترسيخ القيم الوطنية الإيجابية.

ومن جانبها، كثفت الجهات الرسمية رسائلها التوعوية، حيث دعت وزارة الداخلية إلى الألتزام التام بالأنظمة والتعليمات، محذرة من أي ممارسات قد تهدد السلامة العامة مثل التجمهر أو القيادة المتهورة التي تعكر صفو الاحتفالات.

كما شددت الإدارة العامة للمرور على خطورة التفحيط والاستعراض بالمركبات، لما يسببه ذلك من حوادث وإصابات وخسائر مادية مؤكدة تطبيق الأنظمة بحق المخالفين.

يظل يوم التأسيس مناسبة وطنية عظيمة تتجاوز حدود الاحتفال الشكلي، لتؤكد على معاني الانتماء والمسؤولية حيث لا يكتمل الفرح إلا بالالتزام بالأنظمة والمحافظة على الممتلكات العامة والتعامل برقي مع الاخرين، فالشباب يمثلون واجهة الوطن وسلوكهم يعكس مستوى الوعي المجتمعي، فيما يبقى الالتزام بالتعليمات الضامن الحقيقي لاجواء آمنة تتيح للجميع الاستمتاع بهذه المناسبة التي وجدت للفخر والاعتزاز لا للفوضى أو تعريض الأرواح والممتلكات للخطر.