في كثير من المجتمعات، تتكرر كلمة الواسطة حتى تبدو وكأنها أمر عادي لا يستحق التوقف عنده، إذ يراها البعض مجرد وسيلة لتسهيل الإجراءات وتسريع المعاملات، ومع مرور الوقت ترسخت هذه الممارسة لدرجة أن كثيرًا من الناس لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها مشكلة، بل كحل طبيعي لإنجاز الأمور، دون إدراك لما تحمله من آثار عميقة على العدالة والمساواة.
في الواقع، لم تعد الواسطة مجرد تصرف فردي بسيط، بل تحولت إلى ظاهرة تؤثر في مختلف جوانب الحياة اليومية، فنرى موظفًا يحصل على وظيفة لا يستحقها بسبب قرابته، أو طالبًا يتجاوز الأنظمة من خلال وسيط، أو معاملة تُنجز بسرعة لشخص على حساب آخر ينتظر دوره. ومع تكرار هذه المشاهد يبدأ الناس في تقبلها، بل وربما الاعتماد عليها، حتى تصبح القوانين نفسها في نظر البعض أمرًا يمكن تجاوزه.
ولا يخفى أن هناك فرقًا بين المساعدة المشروعة والواسطة المذمومة، فالأولى تقوم على دعم الإنسان في حقه دون ظلم الآخرين، أما الثانية فتعني تقديم غير المستحق وتأخير صاحب الحق، وهو ما يفتح بابًا واسعًا للفساد ويزرع مشاعر الظلم بين الناس، وقد حثّ الدين على نصرة الآخرين وقضاء حوائجهم، لكن في إطار العدل والإنصاف، لا على حساب حقوق الآخرين.
ومن أسباب انتشار هذه الظاهرة عوامل متعددة، مثل تعقيد الإجراءات أحيانًا، أو ضعف الالتزام بالأنظمة، أو رغبة البعض في الوصول السريع دون جهد، إضافة إلى غياب الشفافية في بعض الجهات، ومع استمرار هذه الأسباب تتحول الواسطة من تصرف مرفوض إلى عادة اجتماعية تنتقل بين الأجيال، حتى يظن البعض أن كل أمر لا ينجز إلا من خلالها.
لكن آثار هذه الممارسة لا تتوقف عند الأفراد، بل تمتد إلى المجتمع بأكمله، حيث تؤدي إلى تراجع الكفاءة في المؤسسات، وحرمان المستحقين من فرصهم، وانتشار الإحباط بين الشباب، خاصة أولئك الذين يسعون لتحقيق أهدافهم بجهدهم، كما تسهم في إضعاف الثقة بين الناس والجهات الرسمية، وتخلق بيئة يسودها الشعور بعدم العدالة.
وفي المقابل، قد يرى البعض أن الواسطة في بعض الحالات وسيلة لتيسير الأمور أو مساعدة الآخرين، وأن المشكلة لا تكمن في أصلها، بل في سوء استخدامها وتجاوزها للحدود، وهنا يبرز السؤال: هل يمكن تبريرها إذا أدت إلى ظلم غيرنا أو سلب حقه؟
لا ينبغي أن نقبل أي سلوك لمجرد أنه منتشر أو معتاد، بل يجب أن نتوقف ونسأل: هل هو عادل؟ وهل يحفظ الحقوق؟ فالمجتمع لا يستقيم إلا بالعدل، ولا تتقدم الأمم إلا حين يُعطى كل ذي حق حقه، والأفضل أن نتمسك بالقيم التي تقوم على النزاهة والمساواة، وأن نرفض كل ما يخل بها مهما كان شائعًا أو مألوفًا.