اخترنا في هذه المقابلة أن نُبقي اسم ضيفنا مخفياً، لأنّ قصته تشبه قصص كثيرين، لكنّ صراحتها تجعلها استثنائية. تابع معنا حكاية «خ.م.»، مهندس البرمجيات الذي قضى عقداً كاملاً وهو يضحك على نفسه قبل أن يقرّر التعافي.
يقظة: متى بدأت تشعر أنّ هناك مشكلة؟
الحقيقة، شعرت بها مبكّراً — منذ سنوات. لكنّني كنت أُسكتها بمبرّرات: «كل الناس على هواتفهم»، «أنا فقط أتابع الأخبار»، «هذا جزء من عملي». كنت أكذب على نفسي بإتقان.
يقظة: ما الذي جعلك تواجه الحقيقة؟
لحظة بسيطة، لكنّها صعقتني. ابنتي البالغة من العمر سنتين كانت تحاول جذب انتباهي لتُريني رسمتها، فلم أرفع رأسي عن الشاشة. ضربت يدي بيدها الصغيرة قائلة «بابا، خلّي الفون». في تلك اللحظة، شعرت أنّ جزءاً مني قد مات.
يقظة: ما الذي فعلته بعدها؟
في البداية حاولت بإرادتي وحدها — وضعت قفلاً على التطبيقات، حذفت بعضها. لكن سرعان ما عدت إليها. اكتشفت أنّ المشكلة أعمق من «إرادة». كنت أهرب من شيء داخلي بالشاشة. حين فهمت ذلك، ذهبت إلى معالج.
«الشاشة لم تكن المشكلة، كانت الستار الذي يغطّي مشكلتي الحقيقية.»
يقظة: وكيف كانت رحلة العلاج؟
طويلة. مرّت بثلاث مراحل: الاعتراف بأنّني هارب، فهم ممّا أهرب، ثم تعلّم أن أبقى مع نفسي دون شاشة. الأخيرة هي الأصعب — لا تتخيّل كم كنّا نعتاد على ملء كل لحظة فراغ بلا توقّف.
يقظة: أين أنت اليوم؟
أعيش بصورة مختلفة. ما زلت أستخدم الهاتف، لكنّه أصبح أداة لا ملاذاً. الأهم أنّني أصبحت حاضراً مع ابنتي. أحياناً، حين تريني رسمة، أبكي خفية لأنّني تذكّرت كم خسرت من حضور.
يقظة: ما رسالتك لمن يقرأ هذا الحوار وهو في ذات المكان؟
لا تنتظر صفعة من ابنتك أو من شريكك. الاعتراف ليس هزيمة. أنا اليوم أكثر قوّة بكثير ممّا كنت حين كنت أمسك هاتفي وأعتقد أنّني بخير.
نشكر «خ.م.» على شجاعته في مشاركة قصته، ونعتقد أنّ هذه الكلمات قد تكون البذرة الأولى لتعافي كثيرين.