بينما أصبحت منصات التواصل الاجتماعي جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، لم تعد تقتصر على كونها وسيلة للترفيه أو تبادل الأخبار، بل تحولت إلى مساحة واسعة تُعاد فيها صياغة مفاهيم النجاح والطموح والرضا عن الذات، فمع كل تصفح سريع للهاتف، يمر أمامنا سيل متواصل من صور الإنجاز، والرفاهية، والحياة المثالية التي يعرضها المشاهير وصنّاع المحتوى، حتى أصبح كثير من الشباب يقيسون نجاحهم الشخصي بما يرونه على الشاشات لا بما يعيشونه في واقعهم، ومن هنا بدأت المقارنة تأخذ مكانها في الوعي اليومي بوصفها معياراً خفياً يُعيد تشكيل الطموحات ويؤثر في نظرة الإنسان إلى نفسه، فيختلط الإلهام أحيانًا بالضغط، ويتداخل الطموح الحقيقي مع الرغبة في تقليد نماذج جاهزة لا تعبّر بالضرورة عن الذات.
وانطلاقًا من هذه الإشكالية، أجرينا هذا الحوار مع الدكتور ناصر جبلاوي، الحاصل على الدكتوراه في الاستشارات النفسية من جامعة West Alabama والمهتم بدراسة السلوك الإنساني وتأثير العوامل الاجتماعية في تشكيل أفكار الأفراد وطموحاتهم، ويقدّم الدكتور ناصر محتوى توعويًا عبر منصات التواصل الاجتماعي يركّز من خلاله على موضوعات الصحة النفسية، وفهم الذات، والتعامل مع الضغوط اليومية، خصوصًا تلك التي تواجه فئة الشباب في ظل الانفتاح الرقمي المتسارع.
س: ما هو الطموح الصحي كما أوضحه الدكتور ناصر جبلاوي؟
ج: الطموح الصحي هو رغبة داخلية صادقة في النمو والتطور، تنبع من قيم الإنسان وقناعاته الشخصية، وليس من مقارنته بالآخرين، ويكون إيجابياً عندما يدفع الإنسان للتقدّم دون أن يفقد سلامه الداخلي.
س: متى يكون الطموح إيجابياً؟
ج: يكون الطموح إيجابياً عندما يظل مرناً، ويسمح للإنسان بتقبّل الفشل كجزء طبيعي من رحلة النمو، وليس كتهديد لهويته أو قيمته الذاتية.
س: كيف تؤثر متابعة المشاهير على طموحات الأفراد؟
ج: تؤدي متابعة المشاهير إلى تشكيل مفهوم غير واقعي للنجاح، حيث يتحول الطموح من تجربة شخصية إلى سباق نحو صور نمطية مثل الثراء السريع والشهرة والكمال الظاهري.
س: ما الحد الفاصل بين الإعجاب والتقليد؟
ج: يتحول الإعجاب إلى تقليد عندما يتوقف الإنسان عن سؤال نفسه “ماذا أريد أنا؟” ويبدأ بالسؤال “كيف أصبح مثلهم؟”، مما يفقده هويته ورغباته الحقيقية.
س: ما العلامات التي تدل على فقدان الإنسان لأهدافه الخاصة؟
ج: من أبرز العلامات الشعور بالحيرة رغم بذل الجهد، وعدم الرضا عن الإنجازات، وتغيّر الأهداف باستمرار، واتخاذ القرارات بدافع الانبهار لا القناعة.
س: لماذا يشعر بعض الأشخاص بالنقص عند مشاهدة المشاهير؟
ج: لأنهم يقارنون حياتهم الكاملة بلحظات منتقاة ومفلترة من حياة الآخرين، ويظنون أنها تمثل الواقع الكامل.
س: ما تأثير المقارنة المستمرة على النفس؟
ج: تؤدي المقارنة إلى شعور دائم بعدم الكفاية والتأخر، وتضعف الثقة بالنفس، وتستنزف الرضا عن الإنجازات الشخصية.
س: هل حياة المشاهير المعروضة واقعية؟
ج: ليست كذباً تماماً، لكنها ليست الحقيقة الكاملة، بل نسخة منتقاة تُظهر الجوانب الإيجابية وتخفي التحديات والضغوط.
س: كيف يمكن الاستفادة من محتوى المشاهير دون فقدان الهوية؟
ج: من خلال أخذ القيم والمبادئ مثل الانضباط والإصرار، دون تقليد الشكل أو نمط الحياة، مع طرح سؤال دائم: هل هذا يناسبني فعلاً؟
س: ما النصيحة التي وجّهها الدكتور ناصر جبلاوي للشباب؟
ج: التمييز بين الطموح الحقيقي والضغط المقنّع، فالأول يمنح شعوراً بالرضا لأنه نابع من الداخل، بينما الثاني يسبب الضيق لأنه قائم على تأثير خارجي.
لذلك الطموح الحقيقي لا يُقاس بما يملكه الآخرون، ولا بما تعرضه الشاشات من صور مثالية براقة، بل بما ينسجم مع قيم الإنسان ويمنحه شعوراً داخلياً بالرضا والاتساق، ورغم أن منصات التواصل قد تكون مصدراً مهماً للإلهام، فإن خطرها يبدأ عندما تتحول من نافذة للتعلّم إلى مرآة للمقارنة وفقدان الذات، ومن هنا تبقى البوصلة الحقيقية للطموح في الداخل، حيث تبدأ معرفة الإنسان بنفسه، وتنضج أحلامه، ويولد نجاحه الحقيقي.