في ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها المجتمع، لم تعد تربية الطفل تقتصر على توفير الاحتياجات الأساسية أو تعليمه السلوكيات الظاهرة، بل أصبحت ترتبط بصورة أعمق بكيفية تشكيل وعيه النفسي، وفهمه لذاته، وطريقته في تفسير ما يراه من سلوكيات يومية داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع، فكثير من الممارسات التي تتكرر أمام الأطفال تُصنف اجتماعيًا على أنها عادية أو جزء من التربية، بينما تترك في الحقيقة آثارًا نفسية عميقة قد تمتد إلى شخصية الطفل وسلوكه في المستقبل، ومن هنا تكمن خطورة السلوكيات التي يعتادها الطفل دون وعي، إذ قد تتحول مع التكرار إلى معايير طبيعية في نظره، حتى وإن كانت خاطئة أو مؤذية. وانطلاقًا من أهمية هذا الجانب، أجرينا هذا الحوار عن بعد مع الأخصائية النفسية أسيل عبدالهادي العمري، الأخصائية النفسية في مركز ألف باء تاء للتشخيص والتعليم في الرياض، للحديث عن السلوكيات الخاطئة التي يعتادها المجتمع في التعامل مع الأطفال، وكيف يمكن لبعض الممارسات اليومية أن تُعيد تشكيل وعي الطفل النفسي والسلوكي بصورة غير صحية.
في البداية أوضحت الأخصائية أسيل العمري أن من أخطر السلوكيات التي يتعامل معها المجتمع على أنها أمر طبيعي هو تنميط الأدوار داخل الطفولة، كأن يُمنع الطفل من التعبير عن ضعفه أو مشاعره بدعوى القوة أو الرجولة، إلى جانب المزاح المهين الذي قد يمارسه الكبار تجاه شكل الطفل أو تصرفاته أمام الآخرين، وأشارت إلى أن هذه الممارسات لا تُعد مجرد مواقف عابرة، بل تترك أثرًا عميقًا في نفس الطفل، لأنها تضعف احترامه لذاته وتجعله أكثر قابلية لتقبّل الإهانة مستقبلًا باعتبارها سلوكًا معتادًا. وحول أثر تكرار السلوكيات الخاطئة في المدرسة أو المنزل، أوضحت العمري أن الطفل لا يبني بوصلته الأخلاقية في البداية على المنطق بقدر ما يبنيها على ما يراه مقبولًا اجتماعيًا، فإذا اعتاد رؤية الصراخ من المعلم، أو التنمر من الأهل، فإنه لا يتعامل مع هذه السلوكيات بوصفها خطأ، بل يراها جزءًا من قانون القوة الذي يحكم العلاقات، ومع التكرار قد تتحول هذه الممارسات في وعيه إلى وسائل طبيعية للتكيّف والاندماج داخل محيطه.
وفيما يتعلق بالتنمر اللفظي والسخرية بين الأصدقاء، بيّنت الأخصائية أسيل أن هذا النوع من السلوك يتحول من تصرف مرفوض إلى وسيلة تواصل مقبولة عندما يربط الطفل بين السخرية وبين القبول داخل المجموعة، فالطفل قد يستخدم السخرية أحيانًا بوصفها وسيلة دفاع استباقية تحميه من أن يكون هو الضحية، فتتحول مع الوقت إلى لغة يومية يظن أنها ضرورية للاندماج وكسب الانتماء. وعن أثر المقارنة بين الأطفال داخل الأسرة، أوضحت العمري أن المقارنة من أكثر الأساليب التي تهدد التوازن النفسي للطفل، لأنها تضعه في حالة دفاع مستمر عن مكانته وقيمته داخل المنزل.
وعندما يُقارن الطفل بغيره بصورة متكررة، فإن مشاعر الغيرة والعدائية قد تتحول لديه إلى رد فعل طبيعي، بل ومبرر، للدفاع عن ذاته ومحاولة استعادة مكانته في نظر والديه. وفي حديثها عن أثر العقاب المستمر دون تفسير، أكدت الأخصائية أسيل أن هذا الأسلوب لا يعلّم الطفل تجنب الخطأ بقدر ما يعلّمه الخوف من اكتشافه، فالطفل في هذه الحالة لا يفهم لماذا ما فعله خطأ، بل يتعلم فقط كيف يُخفيه ويتجنب العقوبة، وهو ما يضعف نمو الضمير الداخلي لديه، ويستبدله بالخوف من السلطة بدلًا من بناء وعي أخلاقي حقيقي.
أما عن استخدام الأجهزة الإلكترونية بوصفها وسيلة لتهدئة الأطفال، فقد أشارت العمري إلى أن تكرار هذا الأسلوب يجعل الطفل يعتمد على الشاشة كمنظّم خارجي لمشاعره وانفعالاته. ومع الوقت، يصبح الغضب عند فقدان الجهاز سلوكًا متكررًا يراه المجتمع طبيعيًا بسبب شيوعه، بينما هو في الحقيقة مؤشر نفسي على ضعف قدرة الطفل على تنظيم انفعالاته ذاتيًا، واعتماده المفرط على التحفيز السريع الذي توفره الأجهزة الإلكترونية.
وفي ختام الحوار، أكدت الأخصائية أسيل عبدالهادي العمري أن أخطر ما في السلوكيات الخاطئة مع الأطفال ليس ممارستها فقط، بل اعتيادها حتى تصبح مألوفة وغير ملحوظة. فالطفل لا يتعلم فقط من التوجيه المباشر، بل يتشكل وعيه من خلال ما يتكرر أمامه، وما يُسمح به، وما يُقدَّم له على أنه أمر طبيعي، ولهذا فإن مسؤولية الكبار لا تقتصر على التربية بالكلام، بل تبدأ من مراجعة السلوك اليومي الذي يراه الطفل ويعيد بناء العالم من خلاله. اخيراً يتضح أن كثيرًا من السلوكيات التي يمارسها الكبار مع الأطفال تحت مظلة المزاح أو التربية أو الاعتياد، قد تحمل آثارًا نفسية أعمق مما تبدو عليه، فالكلمة التي تُقال باستخفاف، والمقارنة التي تُطرح على سبيل التحفيز، والعقاب الذي يُمارس دون تفسير، كلها قد تترك في نفس الطفل معاني تتجاوز لحظتها بكثير.
ومن وجهة نظري، فإن أخطر ما يواجه الطفل ليس الخطأ الواضح، بل الخطأ الذي يتكرر حتى يبدو طبيعيًا، لذلك فإن بناء طفل سليم نفسيًا لا يبدأ من تصحيح سلوكه فقط، بل من وعي الكبار بسلوكهم أولًا، لأن الطفل يتعلم مما نفعله أكثر مما نقوله.