حوار/شهد العتيبي-تسنيم الانصاري- يقظة
في ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها المجتمع، لم تعد تربية الطفل تقتصر على توفير الاحتياجات الأساسية أو تعليمه السلوكيات الظاهرة، بل أصبحت ترتبط بصورة أعمق بكيفية تشكيل وعيه النفسي، وفهمه لذاته، وطريقته في تفسير ما يراه من سلوكيات يومية داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع، فكثير من الممارسات التي تتكرر أمام الأطفال تُصنف اجتماعيًا على أنها عادية أو جزء من التربية، بينما تترك في الحقيقة آثارًا نفسية عميقة قد تمتد إلى شخصية الطفل وسلوكه في المستقبل، ومن هنا تكمن خطورة السلوكيات التي يعتادها الطفل دون وعي، إذ قد تتحول مع التكرار إلى معايير طبيعية في نظره، حتى وإن كانت خاطئة أو مؤذية. وانطلاقًا من أهمية هذا الجانب، أجرينا هذا الحوار مع الأخصائية النفسية أسيل عبدالهادي العمري، الأخصائية النفسية في مركز ألف باء تاء للتشخيص والتعليم في الرياض، للحديث عن السلوكيات الخاطئة التي يعتادها المجتمع في التعامل مع الأطفال، وكيف يمكن لبعض الممارسات اليومية أن تُعيد تشكيل وعي الطفل النفسي والسلوكي بصورة غير صحية.
س: ماهي السلوكيات التي يراها المجتمع عادية مع الاطفال وهي خاطئة؟
ج: أخطرها هو تنميط الأدوار (مثل منع الطفل من التعبير عن ضعفه) والمزاح المهين من الكبار تجاه شكل الطفل أو تصرفاته أمام الآخرين فهذه السلوكيات تكسر حاجز الاحترام الذاتي لدى الطفل وتُشرعن له تقبل الإهانة مستقبلاً كأمر طبيعي.
س: هل التكرار الجامعي لفعل خاطئ داخل المدرسة او العائلة يجعل الطفل يراه فعل صائب؟
ج: الطفل يبرمج بوصلته الأخلاقية وفقاً لـ القبول الاجتماعي لا المنطق فإذا رأى المعلمين يصرخون أو الأهل يتنمرون، يظن أن هذا هو قانون القوة اللازم للعيش، فيتحول الخطأ في نظره إلى "مهارة تكيف" ضرورية للاندماج في هذا المجتمع.
س: متى يتحول التنمر اللفظي او السخرية بين الاصدقاء من سلوك منبوذ الى طريقة تواصل مقبوله في نظر الطفل؟
ج: يحدث ذلك عندما يربط الطفل السخرية بالقبول الاجتماعي داخل المجموعة، أو حين يستخدمها كآلية دفاع استباقية ليحمي نفسه من أن يكون ضحية، فتصبح السخرية لديه هي اللغة الرسمية للانتماء.
س: هل تكرار "المقارنة" بين الأطفال في المحيط العائلي يجعل من سلوك "الغيرة والعدائية" رد فعل طبيعي ومبرر في نظر الطفل لحماية مكانته؟
ج: المقارنة تضع الطفل في حالة تهديد لمكانته، مما يجعل الغيرة والعدائية رد فعل غريزي للدفاع عن وجوده المعنوي، ويرى في مهاجمة المُنافس وسيلة مشروعة لاستعادة قيمته المهتزة أمام والديه.
س: هل العقاب المستمر دون تفسير يجعل الطفل يتجنب الخطأ، أم يجعله فقط يخاف من اكتشافه؟
ج: هذا الأسلوب ينمي مهارة الإخفاء لا فضيلة الالتزام، فيتعلم الطفل كيف يتجنب الانكشاف والعقاب بدلاً من فهم جوهر الخطأ، مما يعطل نمو الضمير الداخلي لديه ويستبدله بالخوف من السلطة.
س: مع تكرار استخدام الأجهزة كـ "مهدئ" للأطفال،هل أصبح الغضب عند فقدان الشاشة سلوكاً طبيعياً متوقعاً بدلاً من كونه مشكلة سلوكية؟
ج: تحول الغضب هنا إلى عرض انسحابي فسيولوجي نتيجة اعتماد الدماغ على الدوبامين السهل فالمجتمع يراه طبيعياً لتكراره، لكنه سيكولوجياً يعكس عجز الطفل عن التنظيم الانفعالي الذاتي دون وسيط تقني.
اخيراً يتضح أن كثيرًا من السلوكيات التي يمارسها الكبار مع الأطفال تحت مظلة المزاح أو التربية أو الاعتياد، قد تحمل آثارًا نفسية أعمق مما تبدو عليه، فالكلمة التي تُقال باستخفاف، والمقارنة التي تُطرح على سبيل التحفيز، والعقاب الذي يُمارس دون تفسير، كلها قد تترك في نفس الطفل معاني تتجاوز لحظتها بكثير.
فإن أخطر ما يواجه الطفل ليس الخطأ الواضح، بل الخطأ الذي يتكرر حتى يبدو طبيعيًا، لذلك فإن بناء طفل سليم نفسيًا لا يبدأ من تصحيح سلوكه فقط، بل من وعي الكبار بسلوكهم أولًا، لأن الطفل يتعلم مما نفعله أكثر مما نقوله.