في زمنٍ تتسارع فيه وتيرة الاتصال وتتسع فيه مساحات الوعي النظري، تبدو المفارقة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى فالمشكلة لم تعد في غياب المعرفة، بل في اتساع الفجوة بين ما نؤمن به وما نمارسه يوميًا.
هذه الفجوة لا تظهر في القضايا الكبرى فقط، بل تتجلى في تفاصيل صغيرة ومتكررة تعكس تحولات عميقة في القيم والسلوك داخل المجتمع وفي تفسير هذه الفجوة بين الوعي والسلوك، يشير عالم النفس ليون فستنجر، صاحب نظرية التنافر المعرفي، إلى أن الإنسان قد يحمل قناعات يؤمن بها، لكنه لا يطبقها فعليًا، مما يخلق حالة من التناقض الداخلي تدفعه أحيانًا لتبرير سلوكه بدل تغييره.
ويرى د. جعفر عمر أحمد باحث في علم النفس في دراسة نشهرها بعنوان علم نفس وسائل التواصل الإجتماعي عام ٢٠٢٣، أن وسائل التواصل لا تعكس الواقع كما هو، بل تعيد تشكيله موضحًا أن الأفراد قد يلجؤون إلى إظهار شخصيات مثالية أو مختلفة عن حقيقتهم، مما يخلق فجوة بين الذات الحقيقية والصورة المعروضة.
وهم الاستحقاق
يرى أسامة الملا (المدرب المتخصص في التنمية الذاتية) أن مفهوم الاستحقاق اليوم قد انحرف عن مساره واصفاً إياه بعبارة عميقة: "ظاهره حق وباطنه عذاب" ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن يكون الاستحقاق نابعاً من تقدير الفرد لذاته وقيمته أمام خالقه أصبح اليوم شكلاً من أشكال "الاستهلاك غير الواعي".
ويضيف الملا متسائلاً بوجه مَن يطالبون بكل شيء دون مقابل: "قبل أن تطلب ماذا منحت؟" محذراً من تحول الأمر إلى حالة من الأخذ اللامتناهي مع بخل شديد في العطاء. هذا الفهم المغلوط نجد آثاره واضحة في كواليس الجامعة إذ تلمس ريماس القحطاني (طالبة لغات وترجمة) هذا التحول، ملاحظةً أن التقدير الأكاديمي لدى البعض بات مرتبطاً "بمجرد الحضور" في قفز صريح على منطق الجهد والفهم فبدلاً من أن يكون النجاح نتيجة للعمل صار "شعوراً مسبقاً" بالحق في الدرجة لمجرد التواجد.
ولا يتوقف الأمر عند الجهد الشخصي، بل يمتد ليشمل "المحسوبية الاجتماعية" حيث تبيّن أثير المطيري (طالبة نظم معلومات جغرافية) أن شبكة العلاقات قد تمنح الشخص حصانة وهمية، تجعله يشعر بأنه "فوق المساءلة" أو التقييم العادل ومع تكرار هذه الممارسات تذوب قيمة العدالة تدريجياً ليفسح الاستحقاق الحقيقي المجال لامتيازات هشة وغير مستحقة.
عدوى التذمر واختفاء الامتنان
وتضيف أثير نمطًا آخر من التحولات، حيث يغيب الامتنان رغم حضور المساعدة، ويحل الصمت مكان التقدير، هذا الغياب لا يبدو بسيطًا، بل يؤثر على دافعية الأفراد للعطاء، إذ يفقد الفعل معناه حين لا يُقابل بالاعتراف.
ومع الوقت، تتحول الشكوى إلى سلوك جماعي، حيث تنتشر ثقافة التذمر بشكل يجعل التعبير عن الإيجابية أمرًا غير مألوف، فينضم الأفراد لهذا التيار دون وعي، حتى وإن لم يقتنعوا به.
قمع المشاعر ومنع البكاء
في البيوت، تمتد هذه الفجوة إلى طريقة التعامل مع الأطفال، حيث لا يُنظر إلى البكاء كوسيلة تعبير طبيعية، بل يُقابل بالمنع أو التوبيخ، توضح منال المغذوي معلمة رياض أطفال بروضة صرح الطفولة بالمدينة المنورة أن هذا السلوك لا يُنهي المشاعر، بل يدفع الطفل إلى كبتها، مما قد يؤثر على توازنه النفسي وقدرته على التعبير مستقبلًا.
وتشير المغذوي إلى أن الأطفال الذين يُسمح لهم بالتعبير عن مشاعرهم يكونون أكثر هدوءًا وقدرة على الفهم، في حين قد يظهر على غيرهم سلوك انطوائي أو توتر غير مبرر.
الهوية بين الحقيقة والمظهر
مع تصاعد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، لم تعد المقارنة محصورة في نطاق ضيق، بل أصبحت مفتوحة على الجميع، توضح نورة الأحمدي موظفة في شركة عبدالكريم بعمر ٢٧، أن رؤية حياة الآخرين كما تُعرض قد تخلق شعورًا بالنقص، حتى لدى من يعيشون حياة مستقرة.
ويضيف نواف الأنصاري طالب جامعي ، أن هذا الواقع جعل التقييم قائمًا على المظاهر، مما يفرض ضغطًا نفسيًا مستمرًا، ويؤثر على رضا الفرد عن نفسه.
أما ليلى الجهني ربة أسرة تبلغ من العمر ٤٥، فترى أن هذا النمط دفع البعض إلى ربط قيمتهم بما يشاركونه، لا بما يعيشونه، وهو ما يعكس تحولًا في مفهوم الهوية، حيث تصبح الصورة أهم من الحقيقة
يرى خالد عمر عطية (كوتش متقدم في التمكين الأسري)
السوشيال ميديا تظهر جانباً واحداً من الحقيقة ومعايير محددة تختلف باختلاف الزمان والمكان كمان انها لم تعد المقارنة مقتصرة في مكان معين بل أصبحت للجميع وأنها ساهمت في زيادة الحكم على الناس من خلال المظاهر الخارجي
لغة الأرقام الواقع كما هو
اجرى موقع يقظة دراسة ميدانية على عينة عشوائية من ١٥ شخص وتوصل إلى مجموعة من النتائج التي تعكس ملامح التحولات الاجتماعية والسلوكية داخل المجتمع الجامعي، حيث كشف الاستبيان عن حقيقة لافتة، حيث يرى ٦٠٪ من المشاركين أن المجتمع أصبح يقيس قيمة الإنسان بما يملك لا بما يحمله من فكر أو خلق.
وتعكس هذه النتيجة اتجاهاً واضحًا نحو تغليب المظاهر المادية في تقييم الأفراد، على حساب القيم الجوهرية والمعايير الإنسانية.
في مجموعات الواتساب الدراسية، أظهرت النتائج مفارقة واضحة؛ فرغم أن ٨٠٪ من المشاركين أكدوا أنهم يشكرون دائمًا عند تلقي المعلومة، إلا أن الواقع الذي رُصد في إفادات الطلاب يشير إلى أن الصمت هو السلوك الغالب، حيث يتم تلقي المعلومات دون تفاعل أو شكر.
وفي السياق نفسه، أكدت ٥٣.٣ ٪ من العينة أن ثقافة التذمر والشكوى في الوسط الجامعي أصبحت أكثر انتشارًا من ثقافة التقدير، وهو ما يعزز فرضية "العمى عن الإيجابيات" التي أشارت إليها أثير المطيري.
كما كشف الاستبيان عن وعي مزدوج تجاه مشاعر الأطفال، حيث يرفض ٨٦.٧٪ من المشاركين فكرة أن منع الطفل من البكاء يساعد في تربيته بشكل أفضل.
وفي المقابل، أظهرت النتائج أن التعامل الفعلي مع بكاء الطفل يميل غالبًا إلى محاولة التهدئة وفهم السبب بنسبة ٨٦.٧٪ ، إلا أن نسبة من المشاركين ما زالت تمارس أسلوب منع البكاء الفوري، وهو ما يعكس وجود فجوة بين الوعي والممارسة.
وفي خضم هذا التشابك بين الوعي والسلوك، يبقى السؤال الأهم: هل نكتفي بإدراك الخلل، أم نمتلك الشجاعة لتغييره؟ فالقيم لا تموت فجأة، بل تذبل بصمت حين لا نمارسها، وبين ضجيج المظاهر وسكون المشاعر، يظل الإنسان هو المعيار الحقيقي؛ لا بما يملك، بل بما يمنح، لا بما يُظهر، بل بما يشعر. فربما لا يحتاج المجتمع إلى مزيد من الوعي بقدر ما يحتاج إلى صدق في تطبيقه، لأن ما نعيشه يوميًا هو ما يصنعنا لا ما نعرفه فقط.